المحقق البحراني

258

الكشكول

علمه بجلالة الصدوق أو انه يعتقد ويعلم أن ما قاله في شأنه هو الواقع . نعم قد ذهب علماؤنا رضوان اللّه عليهم إلى تغليط بعضهم بعضا في مسائل الاجتهاد ، ومن ذهب منهم إلى حكم من الأحكام تكلم عليه مخالفوه وطعنوا فيه وجرحوه ونسبوه إلى تخبط في القضية والفتوى حتى لا يتابعه أحد في ذلك ، ويرون مثله واجبا وقد استثنى من مسائل الغيبة وأدخلوه في الجائز منها ، مع أن هذه المسألة مسألة أصولية فكيف لا يطعنون على المخالف لهم فيها ، وإلا فالمرتضى ومن شاركه في التشنيع كشيخنا المفيد أعلى اللّه مقامه قد اعتمدوا على الصدوق ( ره ) في الأخبار والأحكام ونقلوها عنه واعتمدوا على نقله فكيف يقبلونها منه وينسبونه إلى الخروج من الدين ، فليس الوجه فيه إلا ما ذكرناه ، وقد شاهدنا مثل هذا من أوثق مشايخنا وأورعهم وأتقاهم وأبعدهم عن الأغراض والمناقشات . وأما قوله : « ان هذا خبر أحاد لا يوجب علما ولا عملا » فالجواب عنه ( أما أولا ) فلأنه مدار ثبات الأحكام في هذه الأعصار وما سبقها عليه ، وذلك أن المرتضى ( ره ) كان قريب العهد بأعصار أجداده الطاهرين وكانت الأصول الأربعمائة والكتب الخمسة آلاف كلها موجودة عنده ، وكان بينه وبين الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام مثلما بين مولانا صاحب الزمان عليه السّلام وبين الإمام موسى الكاظم عليه السّلام من الآباء ، وقد كان متمكنا من معرفة الآحاد والمتواتر وبقية الكتب والأصول على هذا الحال إلى زمن ابن إدريس ( ره ) فلما كان زمانه حصل الضياع في الأصول والكتب بأسباب مختلفة : ( منها ) أن بعضها دخل خزائن الملوك فلم يخرج منها ، و ( منها ) أن بعض سلاطين الجور وأئمتهم أحرقوا بعضها ، و ( منها ) أن الشيعة لما رأوا هذه الأصول الأربعة مدونة وهي مرتبة وأسهل تناولا من تلك الأصول والكتب أهملوا استعمالها ونسخها الباعث لاستمرارها حتى انتهى الحال الينا فلم نجد في هذا العصر إلا ثلاثين أصلا تقريبا ، فصار الاعتماد كله على أخبار الآحاد . ( وأما ثانيا ) فلأن حكاية سهو النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد روي مما يقارب عشرين سندا وفيها مبالغة وإنكار على من أنكره كما روي عن أبي الصلت الهروي قال : قلت للرضا عليه السّلام : يا ابن رسول اللّه في سواد الكوفة قوم يزعمون أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يقع عليه السهو في صلاته ؟ قال : كذبوا لعنهم اللّه إن الذي لا يسهو هو اللّه الذي لا إله إلا هو . وبالجملة فهذا المضمون مرويّ بالطرق الصحيحة والحسان والمؤلفات والمجاهيل والضعاف فإنكاره مشكل . وأما قوله : « ولسنا ننكر أن يغلب النوم » فيرد عليه انه إذا اعترف بهذا أن يعترف بالمتنازع فيه أما من النقل فلأنّ الأخبار الدالة على حكاية السهو أكثر من